فصل: الشيخ الصالح عبد الكافي

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البداية والنهاية **


 ثم دخلت سنة أربع وثلاثين وسبعمائة

استهلت بيوم الأحد وحكام البلاد هم المذكورون في التي قبلها‏.‏

وفي يوم الجمعة ثاني ربيع الأول أقيمت الجمعة بالخاتونية البرانية، وخطب بها شمس الدين النجار المؤذن المؤقت بالأموي، وترك خطابة جامع القابون‏.‏

وفي مستهل هذا الشهر سافر الأمير شمس الدين محمد التدمري إلى القدس حاكماً به، وعزل عن نيابة الحكم بدمشق‏.‏

وفي ثالثه قدم من مصر زين الدين عبد الرحيم ابن قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة بخطابة القدس، فخلع عليه من دمشق ثم سافر إليها‏.‏

وفي آخر ربيع الأول باشر الأمير ناصر الدين بن بكتاش الحسامي شد الأوقاف عوضاً عن شرف الدين محمود بن الخطيري، سافر بأهله إلى مصر أميراً نيابة بها عن أخيه بدر الدين مسعود‏.‏

وعزل القاضي علاء الدين بن القلانسي، وسائر الدواوين والمباشرين الذين في باب ملك الأمراء تنكز وصودروا بمائتي ألف درهم، واستدعي من غزة ناظرها جمال الدين يوسف صهر السني المستوفي، فباشر نظر ديوان النائب ونظر المارستان النوري أيضاً على العادة‏.‏

وفي شهر ربيع الأول أمر تنكز بإصلاح باب توما فشرع فيه فرفع بابه عشرة أذرع، وجددت حجارته وحديده في أسرع وقت، وفي هذا الوقت حصل بدمشق سيل خرّب بعض الجدران ثم تناقص‏.‏

وفي أوائل ربيع الآخر قدم من مصر جمال الدين آقوش نائب الكرك مجتازاً إلى طرابلس نائبها عوضاً عن قرطاي توفي‏.‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 14/191‏)‏

وفي جمادى الأولى طلب القاضي شهاب الدين ابن المجد عبد الله إلى دار السعادة فولي وكالة بيت المال عوضاً عن ابن القلانسي، ووصل تقليده من مصر بذلك، وهنأه الناس‏.‏

وفيه‏:‏ طلب الأمير نجم الدين بن الزيبق من ولاية نابلس فولي شد الدواوين بدمشق، وقد شغر منصبه شهوراً بعد ابن الخشاب‏.‏

وفي رمضان خطب الشيخ بدر الدين أبو اليسر بن الصائغ بالقدس عوضاً عن زين الدين بن جماعة لإعراضه عنها واختياره العود إلى بلده‏.‏

 قضية القاضي ابن جملة

لما كان في العشر الأخير من رمضان وقع بين القاضي ابن جملة وبين الشيخ الظهير شيخ ملك الأمراء - وكان هو السفير في تولية ابن جملة القضاء - فوقع بينهما منافسة ومحاققة في أمور كانت بينه وبين الدوادار المتقدم ذكره ناصر الدين، فحلف كل واحد منهما على خلاف ما حلف به الآخر عليه، وتفاصلا من دار السعادة في المسجد‏.‏

فلما رجع القاضي إلى منزله بالعادلية أرسل إليه الشيخ الظهير ليحكم فيه بما فيه المصلحة، وذلك عن مرسوم النائب، وكأنه كان خديعة في الباطن وإظهاراً لنصرة القاضي عليه في الظاهر، فبدر به القاضي بادي الرأي فعزره بين يديه، ثم خرج من عنده فتسلمه أعوان ابن جملة فطافوا به البلد على حمار يوم الأربعاء سابع عشرين رمضان، وضربوه ضرباً عنيفاً‏.‏

ونادوا عليه‏:‏ هذا جزاء من يكذب ويفتات على الشرع، فتألم الناس له لكونه في الصيام‏.‏

وفي العشر الأخير من رمضان، ويوم سبع وعشرين، وهو شيخ كبير صائم، فيقال‏:‏ إنه ضرب يومئذ ألفين ومائة وإحدى وسبعين درة والله أعلم، فما أمسى حتى استفتى على القاضي المذكور وداروا على المشايخ بسبب ذلك عن مرسوم النائب‏.‏

فلما كان يوم تاسع عشرين رمضان عقد نائب السلطنة بين يديه بدار السعادة مجلساً حافلاً بالقضاة وأعيان المفتيين من سائر المذاهب، وأحضر ابن جملة قاضي الشافعية والمجلس قد احتفل بأهله، ولم يأذنوا لابن جملة في الجلوس، بل قام قائماً ثم أجلس بعد ساعة جيدة في طرف الحلقة، إلى جانب المحفة التي فيها الشيخ الظهير‏.‏

وادعى عليه عند بقية القضاة أنه حكم فيه لنفسه، واعتدى عليه في العقوبة، وأفاض الحاضرون في ذلك، وانتشر الكلام وفهموا من نفس النائب الحط على ابن جملة، والميل عنه بعد أن كان إليه، فما انفصل المجلس حتى حكم القاضي شرف الدين المالكي بفسقه وعزله وسجنه، فانفض المجلس على ذلك، ورسم على ابن جملة بالعذراوية ثم نقل إلى القلعة جزاء وفاقاً والحمد لله وحده‏.‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 14/192‏)‏

وكان له في القضاء سنة ونصف إلا أياماً وكان يباشر الأحكام جيداً، وكذا الأوقاف المتعلقة به، وفيه نزاهة وتمييز الأوقاف بين الفقهاء والفقراء، وفيه صرامة وشهامة وإقدام، لكنه أخطأ في هذه الواقعة وتعدى فيها فآل أمره إلى هذا‏.‏

وخرج الركب يوم الاثنين عاشر شوال وأميره الجي بغا وقاضيه مجد الدين ابن حيان المصري‏.‏

وفي يوم الاثنين رابع عشرينه درس بالإقبالية الحنفية نجم الدين ابن قاضي القضاة عماد الدين الطرسوسي الحنفي عوضاً عن شمس الدين محمد بن عثمان بن محمد الأصبهاني بن العجمي الحبطي، ويعرف بابن الحنبلي‏.‏

وكان فاضلاً ديناً متقشفاً كثير الوسوسة في الماء جداً، وأما المدرّس مكانه وهو نجم الدين بن الحنفي فإنه ابن خمس عشرة سنة، وهو في النباهة والفهم، وحسن الاشتغال والشكل والوقار، بحيث غبط الحاضرون كلهم أباه على ذلك، ولهذا آل أمره أن تولى قضاء القضاة في حياة أبيه، نزل له عنه وحمدت سيرته وأحكامه‏.‏

وفي هذا الشهر أثبت محضر في حق الصاحب شمس الدين غبريال المتوفي هذه السنة أنه كان يشتري أملاكاً من بيت المال ويوقفها ويتصرف فيها تصرف الملاّك لنفسه، وشهد بذلك كمال الدين الشيرازي وابن أخيه عماد الدين وعلاء الدين القلانسي وابن خاله عماد الدين القلانسي، وعز الدين بن المنجا، وتقي الدين بن مراجل، وكمال الدين بن الغويرة، وأثبت على القاضي برهان الدين الزرعي الحنبلي ونفذه بقية القضاة، وامتنع المحتسب عز الدين بن القلانسي من الشهادة فرسم عليه بالعذراوية قريباً من شهر، ثم أفرج عنه وعزل عن الحسبة، واستمر على نظر الخزانة‏.‏

وفي يوم الأحد ثامن عشرين ذي القعدة حملت خلعة القضاء إلى الشيخ شهاب الدين بن المجد وكيل بيت المال يومئذ، فلبسها وركب إلى دار السعادة، وقرئ تقليده بحضرة نائب السلطنة والقضاة ثم رجع إلى مدرسته الإقبالية فقرئ بها أيضاً وحكم بين خصمين، وكتب على أوراق السائلين، ودرّس بالعادلية والغزالية والأتابكيتين مع تدريس الإقبالية عوضاً عن ابن جملة‏.‏

وفي يوم الجمعة حضر الأمير حسام الدين مهنا بن عيسى وفي صحبته صاحب حماه الأفضل، فتلقاهما تنكز وأكرمهما، وصلّيا الجمعة عند النائب ثم توجها إلى مصر، فتلقاهما أعيان الأمراء وأكرم السلطان مهنا بن عيسى وأطلق له أموالاً جزيلة كثيرة، من الذهب والفضة والقماش، وأقطعه عدة قرى ورسم له بالعود إلى أهله، ففرح الناس بذلك‏.‏

قالوا‏:‏ وكان جميع ما أنعم به عليه السلطان قيمة مائة ألف دينار، وخلع عليه وعلى أصحابه مائة وسبعين خلعة‏.‏

وفي يوم الأحد سادس ذي الحجة حضر درس الرواحية الفخر المصري عوضاً عن قاضي القضاة ابن المجد وحضر عنده القضاة الأربعة وأعيان الفضلاء‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 14/193‏)‏

وفي يوم عرفة خلع على نجم الدين بن أبي الطيب بوكالة بيت المال، عوضاً عن ابن المجد، وعلى عماد الدين بن الشيرازي بالحسبة عوضاً عن عز الدين بن القلانسي وخرج الثلاثة من دار السعادة بالطرحات‏.‏

 من الأعيان‏:‏

 الشيخ الأجل التاجر بدر الدين

بدر الدين لؤلؤ بن عبد الله عتيق النقيب شجاع الدين إدريس، وكان رجلاً حسناً يتجر في الجوخ، مات فجأة عصر يوم الخميس خامس محرم، وخلّف أولاداً وثروة، ودفن بباب الصغير، وله بر وصدقة ومعروف، وسبع بمسجد ابن هشام‏.‏

 الصدر أمين الدين

محمد بن فخر الدين أحمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن محمد بن يوسف بن أبي العيش الأنصاري الدمشقي باني المسجد المشهور بالربوة، على حافة بردى، والطهارة الحجارة إلى جانبه، والسوق الذي هناك، وله بجامع النيرب ميعاد‏.‏

ولد سنة ثمان وخسمين وستمائة، وسمع البخاري وحدث به، وكان من أكابر التجار ذوي اليسار، توفي بكرة الجمعة سادس المحرم ودفن بتربته بقاسيون رحمه الله‏.‏

الخطيب الإمام العالم

 عماد الدين أبو حفص عمر الخطيب، ظهير الدين عبد الرحيم بن يحيى بن إبراهيم بن علي بن جعفر بن عبد الله بن الحسن القرشي الزهري النابلسي، خطيب القدس، وقاضي نابلس مدة طويلة، ثم جمع له بين خطابة القدس وقضائها، وله اشتغال وفي فضيلة‏.‏

وشرح ‏(‏صحيح مسلم‏)‏ في مجلدات، وكان سريع الحفظ سريع الكتابة، توفي ليلة الثلاثاء عاشر المحرم، ودفن بماملا رحمه الله‏.‏

 الصدر شمس الدين

محمد بن إسماعيل بن حماد التاجر بقيسارية الشرب، كتب ‏(‏المنسوب‏)‏ وانتفع به الناس، وولي التجار لأمانته وديانته، وكانت له معرفة ومطالعة في الكتب، توفي تاسع صفر عن نحو ستين سنة‏.‏

ودفن بقاسيون رحمه الله‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 14/194‏)‏

 جمال الدين قاضي القضاة الزرعي

هو أبو الربيع سليمان بن الخطيب مجد الدين عمر بن سالم بن عمر بن عثمان الأذرعي الشافعي، ولد سنة خمس وأربعين وستمائة بأذرعات، واشتغل بدمشق فحصّل، وناب في الحكم بزرع مدة فعرف بالزرعي لذلك، وإنما هو من أذرعات وأصله من بلاد المغرب‏.‏

ثم ناب بدمشق ثم انتقل إلى مصر فناب في الحكم بها، ثم استقل بولاية القضاء بها نحواً من سنة، ولي قضاء الشام مدة مع مشيخة الشيوخ نحواً من سنة، ثم عزل وبقي على مشيخة الشيوخ نحواً من سنة مع تدريس الأتابكية، ثم تحول إلى مصر فولي بها التدريس وقضاء العسكر‏.‏

ثم توفي بها يوم الأحد سادس صفر وقد قارب السبعين رحمه الله، وقد خرج له البرزالي مشيخة سمعناها عليه وهو بدمشق عن اثنين وعشرين شيخاً‏.‏

الشيخ الإمام العالم الزاهد

 زين الدين أبو محمد عبد الرحمن بن محمود بن عبيدان البعلبكي الحنبلي، أحد فضلاء الحنابلة، ومن صنف في الحديث والفقه والتصوف وأعمال القلوب وغير ذلك، كان فاضلاً له أعمال كثيرة، وقد وقعت له كائنة في أيام الظاهر أنه أصيب في عقله أو زوال فكره، أو قد عمل على الرياضة فاحترق باطنه من الجوع، فرأى خيالات لا حقيقة لها فاعتقد أنها أمر خارجي، وإنما هو خيال فكري فاسد‏.‏

وكانت وفاته في نصف صفر ببعلبك، ودفن بباب سطحا ولم يكمل الستين، وصلّي عليه بدمشق صلاة الغائب، وعلى القاضي الزرعي معاً‏.‏

 الأمير شهاب الدين

نائب طرابلس له أوقاف وصدقات، وبر وصلات، توفي بطرابلس يوم الجمعة ثامن عشر صفر ودفن هناك رحمه الله‏.‏

الشيخ عبد الله بن يوسف بن أبي بكر الاسعردي الموقت

كان فاضلاً في صناعة الميقات وعلم الاصطرلاب وما جرى مجراه، بارعاً في ذلك، غير أنه لا ينفع به لسوء أخلاقه وشراستها، ثم إنه ضعف بصره فسقط من قيسارية بحسى عشية السبت عاشر ربيع الأول، ودفن بباب الصغير‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 14/195‏)‏

 الأمير سيف الدين بلبان

طرفا بن عبد الله الناصري، كان من المقدمين بدمشق، وجرت له فصول يطول ذكرها، ثم توفي بداره عند مئذنة فيروز ليلة الأربعاء حادي عشرين ربيع الأول، ودفن بتربة اتخذها إلى جانب داره، ووقف عليها مقرئين، وبنى عندها مسجداً بإمام ومؤذن‏.‏

شمس الدين محمد بن يحيى بن محمد بن قاضي حران

ناظر الأوقاف بدمشق، مات الليلة التي مات فيها الذي قبله، ودفن بقاسيون، وتولى مكانه عماد الدين الشيرازي‏.‏

 الشيخ الإمام ذو الفنون

تاج الدين أبو حفص عمر بن علي بن سالم بن عبد الله اللخمي الإسكندراني، المعروف بابن الفاكهاني، ولد سنة أربع وخسمين وستمائة، وسمع الحديث واشتغل بالفقه على مذهب مالك، وبرع وتقدم بمعرفة النحو وغيره، وله مصنفات في أشياء متفرقة‏.‏

قدم دمشق في سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة في أيام الاخنائي، فأنزله في دار السعادة وسمعنا عليه ومعه، وحج من دمشق عامئذ وسمع عليه في الطريق، ورجع إلى بلاده، توفي ليلة الجمعة سابع جمادى الأولى، وصلّي عليه بدمشق حين بلغهم خبر موته‏.‏

 الشيخ الصالح العابد الناسك أيمن

أمين الدين أيمن بن محمد، وكان يذكر أن اسمه محمد بن محمد إلى سبع عشر نفساً كلهم اسمه محمد، وقد جاور بالمدينة مدة سنين إلى أن توفي ليلة الخميس ثامن ربيع الأول، ودفن بالبقيع وصلّي عليها بدمشق صلاة الغائب‏.‏

 الشيخ نجم الدين القباني الحموي

عبد الرحمن بن الحسن بن يحيى اللخمي القبابي، قرية من قرى أشمون الرمان، أقام بحماه في زاوية بزار ويلتمس دعاؤه، وكان عابداً ورعاً زاهداً آمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر، حسن الطريقة إلى أن توفي بها آخر نهار الاثنين رابع عشر رجب، عن ست وستين سنة‏.‏

وكانت جنازته حافلة هائلة جداً، ودفن شمالي حماه، كان عنده فضيلة، واشتغل على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، وله كلام حسن يؤثر عنه رحمه الله‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 14/196‏)‏

 الشيخ فتح الدين بن سيد الناس

الحافظ العلامة البارع، فتح الدين بن أبي الفتح محمد بن الإمام أبي عمرو محمد بن الإمام الحافظ الخطيب أبي بكر محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن يحيى بن سيد الناس الربعي اليعمري الأندلسي الإشبيلي ثم المصري، ولد في العشر الأول من ذي الحجة سنة إحدى وسبعين وستمائة‏.‏

وسمع الكثير وأجاز له الرواية عنهم جماعات من المشايخ، ودخل دمشق سنة تسعين فسمع من الكندي وغيره، واشتغل بالعلم فبرع وساد أقرانه في علوم شتى من الحديث والفقه والنحو من العربية، وعلم السير والتواريخ وغير ذلك من الفنون‏.‏

وقد جمع سيرة حسنة في مجلدين، وشرح قطعة حسنة من أول ‏(‏جامع الترمذي‏)‏، رأيت منها مجلداً بخطه الحسن، وقد حرر وحبر وأفاد وأجاد، ولم يسلم من بعض الانتقاد، وله الشعر الرائق الفائق، والنثر الموافق، والبلاغة التامة، وحسن الترصيف والتصنيف، وجودة البديهة، وحسن الطوية، وله ‏(‏العقيدة السالفية‏)‏ الموضوعة على الآي والأخبار والآثار والاقتفاء بالآثار النبوية، ويذكر عنه سوء أدب في أشياء أخر سامحه الله فيها‏.‏

وله مدائح في رسول الله صلى الله عليه وسلم حِسان، وكان شيخ الحديث بالظاهرية بمصر، وخطب بجامع الخندق‏.‏

ولم يكن في مصر في مجموعة مثله في حفظ الأسانيد والمتون والعلل والفقه والملح والأشعار والحكايات، توفي فجأة يوم السبت حادي عشر شعبان، وصلّي عليه من الغد، وكانت جنازته حافلة، ودفن عند ابن أبي جمرة رحمه الله‏.‏

 القاضي مجد الدين بن حرمي

ابن قاسم بن يوسف العامري الفاقوسي الشافعي، وكيل بيت المال، ومدرّس الشافعي وغيره، كانت له همة ونهضة، وعلت سنه وهو مع ذلك يحفظ ويشغل ويشتغل، ويلقي الدروس من حفظه إلى أن توفي ثاني ذي الحجة‏.‏

وولي تدريس الشافعي بعده شمس الدين بن القماح، والقطبية بهاء الدين بن عقيل، والوكالة نجم الدين الأسعردي المحتسب، وهو كان وكيل بيت الظاهر‏.‏

 ثم دخلت سنة خمس وثلاثين وسبعمائة

استهلت وحكام البلاد هم المذكورون في التي قبلها، وناظر الجامع عز الدين بن المنجا، والمحتسب عماد الدين الشيرازي وغيرهم‏.‏

وفي مستهل المحرم يوم الخميس درّس بأم الصالح الشيخ خطيب تبرور عوضاً عن قاضي القضاة شهاب الدين بن المجد، وحضر عنده القضاة والأعيان‏.‏

وفي سادس المحرم رجع مهنا بن عيسى من عند السلطان فتلقاه النائب والجيش، وعاد إلى أهله في عز وعافية‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 14/197‏)‏

وفيه‏:‏ أمر السلطان بعمارة جامع القلعة وتوسيعه، وعمارة جامع مصر العتيق‏.‏

وقدم إلى دمشق القاضي جمال الدين محمد بن عماد الدين بن الأثير كاتب سر بها عوضاً عن ابن الشهاب محمود‏.‏

ووقع في هذا الشهر والذي بعده موت كثير في الناس بالخانوق‏.‏

وفي ربيع الأول مسك الأمير نجم الدين بن الزيبق مشد الدواوين، وصودر وبيعت خيوله وحواصله، وتولاه بعده سيف الدين تمر مملوك بكتمر الحاجب، وهو مشد الزكاة‏.‏

وفيه‏:‏ كملت عمارة حمام الأمير شمس الدين حمزة الذي تمكن عند تنكز بعد ناصر الدين الدوادار، ثم وقعت الشناعة عليه بسبب ظلمه في عمارة هذا الحمام فقابله النائب على ذلك وانتصف للناس منه، وضربه بين يديه وضربه بالبندق بيده في وجهه، وسائر جسده، ثم أودعه القلعة ثم نقله إلى بحيرة طبرية فغرقه فيها، وعزل الأمير جمال الدين نائب الكرك عن نيابة طرابلس حسب سؤاله في ذلك، وراح إليها طيغال وقدم نائب الكرك إلى دمشق وقد رسم له بالإقامة في سلخد، فلما تلقاه نائب السلطنة والجيش نزل في دار السعادة وأخذ سيفه بها ونقل إلى القلعة، ثم نقل إلى صفد ثم إلى الإسكندرية ثم كان آخر العهد به‏.‏

وفي جمادى الأولى احتيط على دار الأمير بكتمر الحاجب الحسامي بالقاهرة، ونبشت وأخذ منها شيء كثير جداً، وكان جد أولاده نائب الكرك المذكور‏.‏

وفي يوم السبت تاسع جمادى الآخرة باشر حسام الدين أبو بكر ابن الأمير عز الدين أيبك النجيبي شد الأوقاف عوضاً عن ابن بكتاش، اعتقل، وخلع على المتولي وهنأه الناس‏.‏

وفي منتصف هذا الشهر علّق الستر الجديد على خزانة المصحف العثماني، وهو من خز طوله ثمانية أذرع وعرضه أربعة أذرع ونصف، غرم عليه أربعة آلاف وخمسمائة، وعمل في مدة سنة ونصف‏.‏

وخرج الركب الشامي يوم الخميس تاسع شوال وأميره علاء الدين المرسي، وقاضيه شهاب الدين الظاهري‏.‏

وفيه‏:‏ رجع جيش حلب إليها وكانوا عشرة آلاف سوى من تبعهم من التركمان، وكانوا في بلاد أذنة وطرسوس وإياس، وقد خربوا وقتلوا خلقاً كثيراً، ولم يعدم منهم سوى رجل واحد غرق بنهر جاهان، ولكن كان قتل الكفار من كان عندهم من المسلمين نحواً من ألف رجل، يوم عيد الفطر فإنا لله وإنا إليه راجعون‏.‏

وفيه‏:‏ وقع حريق عظيم بحماه فاحترق منه أسواق كثيرة، وأملاك وأوقاف، وهلكت أموال لا تحصر، وكذلك احترق أكثر مدينة إنطاكية، فتألم المسلمون لذلك‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 14/198‏)‏

وفي ذي الحجة خرب المسجد الذي كان في الطريق بين باب النصر وبين باب الجابية، عن حكم القضاة بأمر نائب السلطنة، وبني غربيه مسجد حسن أحسن وأنفع من الأول‏.‏

 وتوفي فيها من الأعيان‏:‏

 الشيخ الصالح المعمر رئيس المؤذنين بجامع دمشق

برهان الدين إبراهيم بن محمد بن أحمد بن محمد الواني، ولد سنة ثلاث وأربعين وستمائة، وسمع الحديث، وروى، وكان حسن الصوت والشكل، محبباً إلى العوام، توفي يوم الخميس سادس صفر ودفن بباب الصغير، وقام من بعده في الرياسة ولده أمين الدين محمد الواني المحدث المفيد، وتوفي بعده ببضع وأربعين يوماً رحمهما الله‏.‏

الكاتب المطبق المجود المحرر

 بهاء الدين محمود ابن خطيب بعلبك محيي الدين محمد بن عبد الرحيم بن عبد الوهاب السلمي، ولد سنة ثمان وثمانين وستمائة، واعتنى بهذه الصناعة فبرع فيها، وتقدم على أهل زمانه قاطبة في النسخ وبقية الأقلام، وكان حسن الشكل طيب الأخلاق، طيب الصوت حسن التودد، توفي في سلخ ربيع الأول، ودفن بتربة الشيخ أبي عمر رحمه الله‏.‏

 علاء الدين السنجاري

واقف دار القرآن عند باب الناطفانيين شمالي الأموي بدمشق، علي بن إسماعيل بن محمود كان أحد التجار الصدق الأخيار، ذوي اليسار المسارعين إلى الخيرات، توفي بالقاهرة ليلة الخميس ثالث عشر جمادى الآخرة، ودفن عند قبر القاضي شمس الدين بن الحريري‏.‏

 العدل نجم الدين التاجر

عبد الرحيم بن أبي القاسم عبد الرحمن الرحبي باني التربة المشهورة بالمزة، وقد جعل لها مسجداً ووقف عليها أوقافاً دارّة، وصدقات هناك، وكان من أخيار أبناء جنسه، عدل مرضى عند جميع الحكام، وترك أولاداً وأموالاً جمة، وداراً هائلة، وبساتين بالمزة، وكان وفاته يوم الأربعاء سابع عشرين جمادى الآخرة ودفن بتربته المذكورة بالمزة رحمه الله‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 14/199‏)‏

 الشيخ الإمام الحافظ قطب الدين

أبو محمد عبد الكريم بن عبد النور بن منير بن عبد الكريم بن علي بن عبد الحق بن عبد الصمد بن عبد النور الحلبي الأصل ثم المصري، أحد مشاهير المحدثين بها، والقائمين بحفظ الحديث وروايته وتدوينه وشرحه والكلام عليه، ولد سنة أربع وستين وستمائة بحلب، وقرأ القرآن بالروايات، وسمع الحديث وقرأ الشاطبية والألفية، وبرع في فن الحديث‏.‏

وكان حنفي المذهب وكتب كثيراً وصنف شرحاً لأكثر البخاري، وجمع تاريخاً لمصر ولم يكملهما، وتكلم على السيرة التي جمعها الحافظ عبد الغني وخرج لنفسه أربعين حديثاً متباينة الإسناد‏.‏

وكان حسن الأخلاق مطرحاً للكلفة طاهر اللسان كثير المطالعة والاشتغال، إلى أن توفي يوم الأحد سلخ رجب، ودفن من الغد مستهل شعبان عند خاله نصر المنبجي، وخلف تسعة أولاد رحمه الله‏.‏

 القاضي الإمام زين الدين أبو محمد

عبد الكافي بن علي بن تمام بن يوسف السبكي، قاضي المحلة، ووالده العلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي الشافعي، سمع من ابن الأنماطي وابن خطيب المزة، وحدث وتوفي تاسع شعبان، وتبعته زوجته ناصرية بنت القاضي جمال الدين إبراهيم بن الحسين السبكي، ودفنت بالقرافة، وقد سمعت من ابن الصابوني شيئاً من سنن النسائي، وكذلك ابنتها محمدية، وقد توفيت قبلها‏.‏

 تاج الدين علي بن إبراهيم

ابن عبد الكريم المصري، ويعرف بكاتب قطلبك، وهو والد العلامة فخر الدين شيخ الشافعية ومدرّسهم في عدة مدارس، ووالده هذا لم يزل في الخدمة والكتابة إلى أن توفي عنده بالعادلية الصغيرة ليلة الثلاثاء ثالث عشر شعبان، وصلّي عليه من الغد بالجامع، ودفن بباب الصغير‏.‏

 الشيخ الصالح عبد الكافي

ويعرف بعبيد بن أبي الرجال بن حسين بن سلطان بن خليفة المنيني، ويعرف بابن أبي الأزرق، مولده في سنة أربع وأربعين وستمائة بقريته من بلاد بعلبك، ثم أقام بقرية منين، وكان مشهوراً بالصلاح وقرئ عليه شيء من الحديث وجاوز التسعين‏.‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 14/200‏)‏

 الشيخ محمد بن عبد الحق

ابن شعبان بن علي الأنصاري، المعروف بالسياح، له زاوية بسفح قاسيون بالوادي الشمالي، مشهورة به، كان قد بلغ التسعين، وسمع الحديث وأسمعه، كانت له معرفة بالأمور وعنده بعض مكاشفة، وهو رجل حسن، توفي أواخر شوال من هذه السنة‏.‏

 الأمير سلطان العرب

حسام الدين مهنا بن عيسى بن مهنا، أمير العرب بالشام، وهم يزعمون أنهم من سلالة جعفر بن يحيى بن خالد البرمكي، من ذرية الولد الذي جاء من العباسة أخت الرشيد فالله أعلم‏.‏

وقد كان كبير القدر محترماً عند الملوك كلهم، بالشام ومصر والعراق، وكان ديناً خيراً متحيزاً للحق، وخلف أولاداً وورثة وأموالاً كثيرة، وقد بلغ سناً عالية‏.‏

وكان يحب الشيخ تقي الدين بن تيمية حباً زائداً، هو وذريته وعربه، وله عندهم منزلة وحرمة وإكرام، يسمعون قوله ويمتثلونه، وهو الذي نهاهم أن يَغير بعضهم على بعض، وعرفهم أن ذلك حرام، وله في ذلك مصنف جليل‏.‏

وكانت وفاة مهنا هذا ببلاد سلمية في ثامن عشر ذي القعدة، ودفن هناك رحمه الله‏.‏

 الشيخ الزاهد فضل العلجوني

فضل بن عيسى بن قنديل العجلوني الحنبلي المقيم بالمسمارية، أصله من بلاد حبراحي، كان متقللاً من الدنيا يلبس ثياباً طوالاً وعمامة هائلة، وهي بأرخص الأثمان، وكان يعرف تعبير الرؤيا ويُقصد لذلك، وكان لا يقبل من أحد شيئاً، وقد عرضت عليه وظائف بجوامك كثيرة فلم يقبلها، بل رضي بالرغيد الهني من العيش الخشن إلى أن توفي في ذي الحجة، وله نحو تسعين سنة، ودفن بالقرب من قبر الشيخ تقي الدين بن تيمية رحمهما الله، وكانت جنازته حافلة جداً‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 14/201‏)‏

 ثم دخلت سنة ست وثلاثين وسبعمائة

استهلت بيوم الجمعة والحكام هم المذكورون في التي قبلها‏.‏

وفي أول يوم منها ركب تنكز إلى قلعة جعبر ومعه الجيش والمناجنيق فغابوا شهراً وخمسة أيام وعادوا سالمين‏.‏

وفي ثامن صفر فتحت الخانقاه التي أنشأها سيف الدين قوصون الناصري خارج باب القرافة، وتولى مشيختها الشيخ شمس الدين الأصبهاني المتكلم‏.‏

وفي عاشر صفر خرج ابن جملة من السجن بالقلعة وجاءت الأخبار بموت ملك التتار أبي سعيد بن خربندا بن أرغون بن أبغا بن هولاكو بن تولى بن جنكيز خان، في يوم الخميس ثاني عشر ربيع الآخر بدار السلطنة بقراباغ، وهي منزلهم في الشتاء، ثم نقل إلى تربته بمدينته التي أنشأها قريباً من السلطانية مدينة أبيه، وقد كان من خيار ملوك التتار وأحسنهم طريقة وأثبتهم على السنة وأقومهم بها‏.‏

وقد عز أهل السنة بزمانه وذلت الرافضة، بخلاف دولة أبيه، ثم من بعده لم يقم للتتار قائمة، بل اختلفوا فتفرقوا شذر مذر إلى زماننا هذا، وكان القائم من بعده بالأمر ارتكاوون من ذرية أبغا، ولم يستمر له الأمر إلا قليلاً‏.‏

وفي يوم الأربعاء عاشر جمادى الأولى درّس بالناصرية الجوانية بدر الدين الأردبيلي عوضاً عن كمال الدين بن الشيرازي توفي، وحضر عنده القضاة‏.‏

وفيه‏:‏ درّس بالظاهرية البرانية الشيخ الإمام المقري سيف الدين أبو بكر الحريري عوضاً عن بدر الدين الأردبيلي، تركها لما حصلت له الناصرية الجوانية، وبعده بيوم درس بالنجيبية كاتبه إسماعيل بن كثير عوضاً عن الشيخ جمال الدين ابن قاضي الزبداني تركها حين تعين له تدريس الظاهرية الجوانية‏.‏

وحضر عنده القضاة والأعيان كان درساً حافلاً أثنى عليه الحاضرون وتعجبوا من جمعه وترتيبه، وكان ذلك في تفسير قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ‏}‏ ‏[‏فاطر‏:‏ 28‏]‏ وانساق الكلام إلى مسألة ربا الفضل‏.‏

وفي يوم الأحد رابع عشره ذكر الدرس بالظاهرية المذكورة ابن قاضي الزبداني عوضاً عن علاء الدين بن القلانسي توفي، وحضر عنده القضاة والأعيان، وكان يوماً مطيراً‏.‏

وفي أول جمادى الآخرة وقع غلاء شديد بديار مصر واشتد ذلك إلى شهر رمضان، وتوجه خلق كثير في رجب إلى مكة نحواً من ألفين وخمسمائة، منهم عز الدين بن جماعة، وفخر الدين النويري وحسن السلامي، وأبو الفتح السلامي، وخلق‏.‏

وفي رجب كملت عمارة جسر باب الفرج وعمل عليه باشورة ورسم باستمرار فتحه إلى بعد العشاء الآخرة كبقية سائر الأبواب، وكان قبل ذلك يغلق من المغرب‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 14/202‏)‏

وفي سلخ رجب أقيمت الجمعة بالجامع الذي أنشأه نجم الدين بن خيلخان تجاه باب كيسان من القبلة، وخطب فيه الشيخ الإمام العلامة شمس الدين ابن قيم الجوزية‏.‏

وفي ثاني شعبان باشر كتابة السر بدمشق القاضي علم الدين محمد بن قطب الدين أحمد بن مفضل، عوضاً عن كمال الدين ابن الأثير، عزل وراح إلى مصر‏.‏

وفي يوم الأربعاء رابع رمضان ذكر الدرس بالأمينية الشيخ بهاء الدين ابن إمام المشهد عوضاً عن علاء الدين بن القلانسي‏.‏

وفي العشرين منه خلع على الصدر نجم الدين بن أبي الطيب بنظر الخزانة مضافاً إلى ما بيده من وكالة بيت المال، بعد وفاة ابن القلانسي بشهور‏.‏

وخرج الركب الشامي يوم الاثنين ثامن شوال وأميره قطلودمر الخليلي‏.‏

وممن حج فيه‏:‏ قاضي طرابلس محيي الدين بن جهبل، والفخر المصري، وابن قاضي الزبداني، وابن العز الحنفي، وابن غانم، والسخاوي، وابن قيم الجوزية، وناصر الدين بن البربوه الحنفي، وجاءت الأخبار بوقعة جرت بين التتار قتل فيها خلق كثير منهم، وانتصر على باشا وسلطانه الذي كان قد أقامه، وهو موسى كاوون على ارباكاوون وأصحابه، فقتل هو ووزيره ابن رشيد الدولة، وجرت خطوب كثيرة طويلة، وضربت البشائر بدمشق‏.‏

وفي ذي القعدة خلع على ناظر الجامع الشيخ عز الدين بن المنجا بسب إكماله البطائن في الرواق الشمالي والغربي والشرقي، ولم يكن قبل ذلك له بطائن‏.‏

وفي يوم الأربعاء سابع الحجة ذكر الدرس بالشبلية القاضي نجم الدين ابن قاضي القضاة عماد الدين الطرسوسي الحنفي، وهو ابن سبع عشرة سنة، وحضر عنده القضاة والأعيان، وشكروا من فضله ونباهته، وفرحوا لأبيه فيه‏.‏

وفيها‏:‏ عزل ابن النقيب عن قضاء حلب ووليها ابن خطيب جبرين، وولي الحسبة بالقاهرة ضياء الدين يوسف بن أبي بكر بن محمد خطيب بيت الأبار، خلع عليه السلطان‏.‏

وفي ذي القعدة رسم السلطان باعتقال الخليفة المستكفي وأهله، وأن يمنعوا من الاجتماع، فآل أمرهم كما كان أيام الظاهر والمنصور‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 14/203‏)‏

 من الأعيان‏:‏

 السلطان أبو سعيد ابن خربندا

وكان آخر من اجتمع شمل التتار عليه، ثم تفرقوا من بعده‏.‏

 الشيخ البندنيجي

شمس الدين علي بن محمد بن ممدود بن عيسى البندنيجي الصوفي، قدم علينا من بغداد شيخنا كبيراً راوياً لأشياء كثيرة، فيها ‏(‏صحيح مسلم‏)‏ و‏(‏الترمذي‏)‏ وغير ذلك، وعنده فوائد، ولد سنة أربع وأربعين وستمائة، وكان والده محدثاً فأسمعه أشياء كثيرة على مشايخ عدة، وكان موته بدمشق رابع المحرم‏.‏

قاضي قضاة بغداد

 قطب الدين أبو الفضائل محمد بن عمر بن الفضل التبريزي الشافعي المعروف بالأحوس، سمع شيئاً من الحديث واشتغل بالفقه والأصول والمنطق والعربية والمعاني والبيان، وكان بارعاً في فنون كثيرة ودرّس بالمستنصرية بعد العاقولي‏.‏

وفي مدارس كبار، وكان حسن الخلق كثير الخير على الفقراء والضعفاء، متواضعاً يكتب حسناً أيضاً، توفي في آخر المحرم ودفن بتربة له عند داره ببغداد رحمه الله‏.‏

 الأمير صارم الدين

إبراهيم بن محمد بن أبي القاسم بن أبي الزهر، المعروف بالمغزال، كانت له مطالعة وعنده شيء من التاريخ، ويحاضر جيداً، ولما توفي يوم الجمعة وقت الصلاة السادس والعشرين من المحرم دفن بتربة له عند حمام العديم‏.‏

 الأمير علاء الدين مغلطاي الخازن

نائب القلعة وصاحب التربة تجاه الجامع المظفري من الغرب، كان رجلاً جيداً، له أوقاف وبر وصدقات، توفي يوم الجمعة بكرة عاشر صفر، ودفن بتربته المذكورة‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 14/204‏)‏

 القاضي كمال الدين

أحمد بن محمد بن محمد بن عبد الله بن هبة الله بن الشيرازي الدمشقي، ولد سنة سبعين، وسمع الحديث وتفقه على الشيخ تاج الدين الفزاري، والشيخ زين الدين الفارقي، وحفظ مختصر ‏(‏المزني‏)‏ ودرّس في وقت بالبادرائية، وفي وقت بالشامية البرانية‏.‏

ثم ولي تدريس الناصرية الجوانية مدة سنين إلى حين وفاته، وكان صدراً كبيراً، ذكر لقضاء قضاة دمشق غير مرة، وكان حسن المباشرة والشكل، توفي في ثالث صفر ودفن بتربتهم بسفح قاسيون رحمه الله‏.‏

 الأمير ناصر الدين

محمد بن الملك المسعود جلال الدين عبد الله بن الملك الصالح إسماعيل بن العادل، كان شيخاً مسناً قد اعتنى ‏(‏بصحيح البخاري‏)‏ يختصره، وله فهم جيد ولديه فضيلة، وكان يسكن المزة وبها توفي ليلة السبت خامس عشرين صفر، وله أربع وسبعون سنة، ودفن بتربتهم بالمزة رحمه الله‏.‏

 علاء الدين

علي بن شرف الدين محمد بن القلانسي قاضي العسكر ووكيل بيت المال، وموقع الدست، ومدرّس الأمينية والظاهرية وغير ذلك من المناصب، ثم سلبها كلها سوى التدريسين، وبقي معزولاً إلى حين أن توفي بكرة السبت خامس وعشرين صفر، ودفن بتربتهم‏.‏

 عز الدين أحمد بن الشيخ زين الدين

محمد بن أحمد بن محمود العقيلي، ويعرف بابن القلانسي، محتسب دمشق وناظر الخزانة، كان محمود المباشرة، ثم عزل الحسبة واستمر بالخزانة إلى أن توفي يوم الاثنين تاسع عشر جمادى الأولى ودفن بقاسيون‏.‏

 الشيخ علي بن أبي المجد بن شرف بن أحمد الحمصي

ثم الدمشقي مؤذن البربوة خمساً وأربعين سنة، وله ديوان شعر وتعاليق وأشياء كثيرة مما ينكر أمرها، وكان محلولاً في دينه، توفي جمادى الأولى أيضاً‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 14/205‏)‏

 الأمير شهاب الدين بن برق

متولي دمشق، شهد جنازته خلق كثير، توفي ثاني شعبان ودفن بالصالحية وأثنى عليه الناس‏.‏

 الأمير فخر الدين ابن الشمس لؤلؤ

متولي البر، كان مشكوراً أيضاً، توفي رابع شعبان، وكان شيخاً كبيراً، توفي ببستانه ببيت لهيا ودفن بتربته هناك وترك ذرية كثيرة رحمه الله‏.‏

 عماد الدين إسماعيل

ابن شرف الدين محمد بن الوزير فتح الدين عبد الله بن محمد بن أحمد بن خالد بن صغير بن القيسراني‏.‏

أحد كتاب الدست، وكان من خيار الناس محبباً إلى الفقراء والصالحين، وفيه مروءة كثيرة، وكتب بمصر ثم صار إلى حلب كاتب سرها، ثم انتقل إلى دمشق فأقام بها إلى أن مات ليلة الأحد ثالث عشر القعدة، وصلّي عليه من الغد بجامع دمشق، ودفن بالصوفية عن خمس وستين سنة، وقد سمع شيئاً من الحديث على الأبرقوهي وغيره‏.‏

وفي ذي القعدة توفي شهاب الدين ابن القديسة المحدث بطريق الحجاز الشريف‏.‏

وفي ذي الحجة توفي الشمس محمد المؤذن المعروف بالنجار ويعرف بالبتي، وكان يتكلم وينشد في المحافل والله سبحانه أعلم‏.‏

 ثم دخلت سنة سبع وثلاثين وسبعمائة

استهلت بيوم الجمعة والخليفة المستكفي بالله قد اعتقله السلطان الملك الناصر، ومنعه من الاجتماع بالناس، ونائب الشام تنكز بن عبد الله الناصري، والقضاة والمباشرون هم المذكورون في التي قبلها، سوى كاتب السر فإنه علم الدين بن القطب، ووالي البر الأمير بدر الدين بن قطلوبك بن شنشنكير، ووالي المدينة حسام الدين طرقطاي الجوكنداري‏.‏

وفي أول يوم منها يوم الجمعة وصلت الأخبار بأن علي باشا كسر جيشه، وقيل إنه قتل‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 14/206‏)‏

ووصلت كتب الحجاج في الثاني والعشرين من المحرم تصف مشقة كثيرة حصلت للحجاج من موت الجمال وإلقاء الأحمال ومشي كثير من النساء والرجال، فإنا لله وإنا إليه راجعون، والحمد لله على كل حال‏.‏

وفي آخر المحرم قدم إلى دمشق القاضي حسام الدين حسن بن محمد الغوري قاضي بغداد، وكان والوزير نجم الدين محمود بن علي بن شروان الكردي، وشرف الدين عثمان بن حسن البلدي فأقاموا ثلاثة أيام ثم توجهوا إلى مصر فحصل لهم قبول تام من السلطان، فاستقضى الأول على الحنفية كما سيأتي، واستوزر الثاني وأمّر الثالث‏.‏

وفي يوم عاشوراء أحضر شمس الدين محمد بن الشيخ شهاب الدين بن اللبان الفقيه الشافعي إلى مجلس الحكم الجلالي، وحضر معه شهاب الدين بن فضل الله مجد الدين الأقصرائي شيخ الشيوخ، وشهاب الدين الأصبهاني، فادّعى عليه بأشياء منكرة من الحلول والاتحاد والغلو في القرمطة وغير ذلك، فأقر ببعضها فحكم عليه بحقن دمه ثم توسط في أمره وأبقيت عليه جهاته، ومنع من الكلام على الناس، وقام في صفه جماعة من الأمراء والأعيان‏.‏

وفي صفر احترق بقصر حجاج حريق عظيم أتلف دوراً ودكاكين عديدة‏.‏

وفي ربيع الأول ولد للسلطان ولد فدقت البشائر وزينت البلد أياماً‏.‏

وفي منتصف ربيع الآخر أمر الأمير صارم الدين إبراهيم الحاجب الساكن تجاه جامع كريم الدين طبلخاناه، وهو من كبار أصحاب الشيخ تقي الدين رحمه الله، وله مقاصد حسنة صالحة، وهو في نفسه رجل جيد‏.‏

وفيه‏:‏ أفرج عن الخليفة المستكفي وأطلق من البرج في حادي عشرين ربيع الآخر ولزم بيته‏.‏

وفي يوم الجمعة عشرين جمادى الآخرة أقيمت الجمعة في جامعين بمصر، أحدهما أنشأه الأمير عز الدين أيدمر بن عبد الله الخطيري، ومات بعد ذلك باثني عشر يوماً رحمه الله، والثاني أنشأته امرأة يقال لها الست حدق دادة السلطان الناصر عند قنطرة السباع‏.‏

وفي شعبان سافر القاضي شهاب الدين أحمد بن شرف بن منصور النائب في الحكم بدمشق إلى قضاء طرابلس، وناب بعده الشيخ شهاب الدين أحمد بن النقيب البعلبكي‏.‏

وفيه‏:‏ خلع على عز الدين بن جماعة بوكالة بيت المال بمصر، وعلى ضياء الدين ابن خطيب بيت الأبار بالحسبة بالقاهرة، مع ما بيده من نظر الأوقاف وغيره‏.‏

وفيه‏:‏ أمر الأمير ناظر القدس بطبلخاناه ثم عاد إلى القدس‏.‏

وفي عاشر رمضان قدمت من مصر مقدمتان ألفان إلى دمشق سائرة إلى بلاد سيس، وفيهم علاء الدين، فاجتمع به أهل العلم وهو من أفاضل الحنفية، وله مصنفات في الحديث وغيره‏.‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 14 /207‏)‏

وخرج الركب الشامي يوم الاثنين عاشر شوال وأميره بهادر قبجق، وقاضية محيي الدين الطرابلسي مدرّس الحمصية، وفي الركب تقي الدين شيخ الشيوخ، وعماد الدين بن الشيرازي، ونجم الدين الطرسوسي، وجمال الدين المرداوي، وصاحبه شمس الدين بن مفلح، والصدر المالكي والشرف بن القيسراني، والشيخ خالد المقيم عند دار الطعم، وجمال الدين بن الشهاب محمود‏.‏

وفي ذي القعدة وصلت الأخبار بأن الجيش تسلموا من بلاد سيس سبع قلاع، وحصل لهم خير كثير ولله الحمد، وفرح المسلمون بذلك‏.‏

وفيه‏:‏ كانت وقعة هائلة بين التتار انتصر فيها الشيخ وذووه‏.‏

وفيها‏:‏ نفي السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون الخليفة وأهله وذويه، وكانوا قريباً من مائة نفس إلى بلاد قوص، ورتب لهم هناك ما يقوم بمصالحهم، فإنا لله وإنا إليه راجعون‏.‏

 من الأعيان‏:‏

 الشيخ علاء الدين بن غانم

أبو الحسن علي بن محمد بن سليمان بن حمائل بن علي المقدسي أحد الكبار المشهورين بالفضائل وحسن الترسل، وكثرة الأدب والأشعار والمروءة التامة، مولده سنة إحدى وخمسين وستمائة، وسمع الحديث الكثير، وحفظ القرآن و‏(‏التنبيه‏)‏، وباشر الجهات، وقصده الناس في الأمور المهمات وكان كثير الإحسان إلى الخاص والعام‏.‏

توفي مرجعه في الحج في منزلة تبوك يوم الخميس ثالث عشر المحرم، ودفن هناك رحمه الله، ثم تبعه أخوه شهاب الدين أحمد في شهر رمضان، وكان أصغر منه سناً بسنة، وكان فاضلاً أيضاً بارعاً كثير الدعابة‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 14/208‏)‏

 الشرف محمود الحريري

المؤذن بالجامع الأموي، بنى حماماً بالنيرب، ومات في آخر المحرم‏.‏

 الشيخ الصالح العابد

ناصر الدين محمد بن الشيخ إبراهيم بن معضاد بن شداد بن ماجد بن مالك الجعبري ثم المصري، ولد سنة خمسين وستمائة بقلعة جعبر، وسمع ‏(‏صحيح مسلم‏)‏ وغيره، وكان يتكلم على الناس ويعظهم ويستحضر أشياء كثيرة من التفسير وغيره، كان فيه صلاح وعبادة، توفي في الرابع والعشرين من المحرم، ودفن بزاويتهم عند والده خارج باب النصر‏.‏

 الشيخ شهاب الدين عبد الحق الحنفي

أحمد بن علي بن أحمد بن علي بن يوسف بن قاضي الحنفيين ويعرف بابن عبد الحق الحنفي، شيخ المذهب ومدرّس الحنفية وغيرها، وكان بارعاً فاضلاً ديناً، توفي في ربيع الأول‏.‏

 الشيخ عماد الدين

إبراهيم بن علي بن عبد الرحمن بن عبد المنعم بن نعمة المقدسي النابلسي الحنبلي الإمام العالم العابد شيخ الحنابلة بها وفقيههم من مدة طويلة، توفي في ربيع الأول‏.‏

الشيخ الإمام العابد الناسك

 محب الدين عبد الله بن أحمد بن المحب عبد الله بن أحمد بن أبي بكر محمد بن إبراهيم بن أحمد بن عبد الرحمن بن إسماعيل بن منصور المقدسي الحنبلي، سمع الكثير وقرأ بنفسه، وكتب الطباق وانتفع الناس به، وكانت له مجالس وعظ من الكتاب والسنة في الجامع الأموي وغيره، وله صوت طيب بالقراءة جداً، وعليه روح وسكينة ووقار‏.‏

وكانت مواعيده مفيدة ينتفع بها الناس، وكان شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية يحبه ويحب قراءته، توفي يوم الاثنين سابع ربيع الأول، وكانت جنازته حافلة، ودفن بقاسيون وشهد الناس له بخير، رحمه الله تعالى، وبلغ خمساً وخسمين سنة‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 14/209‏)‏

المحدث البارع المحصل المفيد المخرج المجيد

 ناصر الدين محمد بن طغربل بن عبد الله الصيرفي أبوه، الخوارزمي الأصل، سمع الكثير وقرأ بنفسه، وكان سريع القراءة، وقرأ الكتب الكبار والصغار، وجمع وخرج شيئاً كثيراً، وكان بارعاً في هذا الشأن، رحل فأدركته منيته بحماه يوم السبت ثاني ربيع الأول، ودفن من الغد بمقابر طيبة رحمه الله‏.‏

شيخنا الإمام العالم العابد

 شمس الدين أبو محمد عبد الله بن العفيف محمد بن الشيخ تقي الدين يوسف بن عبد المنعم بن نعمة المقدسي النابلسي الحنبلي، إمام مسجد الحنابلة بها، ولد سنة سبع وأربعين وستمائة‏.‏

وسمع الكثير وكان كثير العبادة حسن الصوت، عليه البهاء والوقار وسحن الشكل والسمت، قرأت عليه عام ثلاث وثلاثين وسبعمائة مرجعنا من القدس كثيراً من الأجزاء والفوائد، وهو والد صاحبنا الشيخ جمال الدين يوسف أحد مفتية الحنابلة وغيرهم، والمشهورين بالخير والصلاح، توفي يوم الخميس ثاني عشرين ربيع الآخر ودفن هناك رحمه الله‏.‏

 الشيخ محمد بن عبد الله بن المجد

إبراهيم المرشدي المقيم بمنية مرشد، يقصده الناس للزيارة، ويضيف الناس على حسب مراتبهم وينفق نفقات كثيرة جداً، ولم يكن يأخذ من أحد شيئاً فيما يبدو للناس، والله أعلم بحاله‏.‏

وأصله من قرية دهروط، وأقام بالقاهرة مدة واشتغل بها، ويقال إنه قرأ ‏(‏التنبيه‏)‏ في الفقه، ثم انقطع بمنية مرشد واشتهر أمره في الناس وحج مرات، وكان إذا دخل القاهرة يزدحم عليه الناس، ثم كانت وفاته يوم الخميس ثامن رمضان ودفن بزاويته، وصلّي عليه بالقاهرة ودمشق وغيرها‏.‏

 الأمير أسد الدين

عبد القادر بن المغيث عبد العزيز بن الملك المعظم عيسى بن العادل، ولد سنة ثنتين وأربعين وستمائة، وسمع الكثير وأسمع، وكان يأتي كل سنة من مصر إلى دمشق ويكرم أهل الحديث، ولم يبق من بعده من بني أيوب أعلا سناً منه، توفي بالرملة في سلخ رمضان رحمه الله‏.‏

الشيخ الصالح الفاضل

 حسن بن إبراهيم بن حسن الحاكي الحكري إمام مسجد هناك، ومذكّر الناس في كل جمعة، ولديه فضائل، وفي كلامه نفع كثير إلى أن توفي في العشرين من شوال، ولم ير الناس مثل جنازته بديار مصر رحمه الله تعالى‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 14/210‏)‏

 ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة

استهلت بيوم الأربعاء والخليفة المستكفي منفي ببلاد قوص، ومعه أهله وذووه، ومن يلوذ به، وسلطان البلاد الملك الناصر محمد بن الملك المنصور، ولا نائب بديار مصر ولا وزير، ونائبه بدمشق تنكز، وقضاة البلاد ونوابها ومباشروها هم المذكورون في التي قبلها‏.‏

وفي ثالث ربيع الأول رسم السلطان بتسفير علي ومحمد ابني داود بن سليمان بن داود بن العاضد آخر خلفاء الفاطميين إلى الفيوم يقيمون به‏.‏

وفي يوم الجمعة ثاني عشر ربيع الآخر عزل القاضي علم الدين بن القطب عن كتابة السر وضرب وصودر، ونكب بسببه القاضي فخر الدين المصري، وعزل عن مدرسته الدولعية وأخذها ابن جملة، والعادلية الصغيرة باشرها ابن النقيب، ورسم عليه بالعذراوية مائة يوم، وأخذ شيء من ماله‏.‏

وفي ليلة الأحد ثالث عشرين ربيع الأول بعد المغرب هبت ريح شديدة بمصر وأعقبها رعد وبرق وبرد بقدر الجوز، وهذا شيء لم يشاهدوا مثله من أعصار متطاولة بتلك البلاد‏.‏

وفي عاشر جمادى الأولى استهل الغيث بمكة من أول الليل، فلما انتصف الليل جاء سيل عظيم هائل لم ير مثله من دهر طويل، فخّرب دوراً كثيرة نحواً من ثلاثين أو أكثر، وغرق جماعة وكسر أبواب المسجد، ودخل الكعبة وارتفع فيها نحواً من ذراع أو أكثر، وجرى أمر عظيم حكاه الشيخ عفيف الدين الطبري‏.‏

وفي سابع عشرين من جمادى الأولى عزل القاضي جلال الدين عن قضاء مصر، واتفق وصول خبر موت قاضي الشام ابن المجد بعد أن عزل بيسير، فولاه السلطان قضاء الشام فسار إليها راجعاً عوداً على بدء‏.‏

ثم عزل السلطان برهان الدين بن عبد الحق قاضي الحنفية، وعزل قاضي الحنابلة تقي الدين، ورسم على ولده صدر الدين بأداء ديون الناس إليهم، وكانت قريباً من ثلاثمائة ألف، فلما كان يوم الاثنين تاسع عشر جمادى الآخرة بعد سفر جلال الدين بخمسة أيام طلب السلطان أعيان الفقهاء إلى بين يديه فسألهم عن من يصلح للقضاء بمصر فوقع الاختيار على القاضي عز الدين بن جماعة‏.‏

فولاه في الساعة الراهنة، وولى قضاء الحنفية لحسام الدين حسن بن محمد الغوري قاضي بغداد، وخرجا من بين يديه إلى المدرسة الصالحية، وعليهما الخلع، ونزل عز الدين بن جماعة من دار الحديث الكاملية لصاحبه الشيخ عماد الدين الدمياطي، فدرّس فيها وأورد حديث ‏(‏‏(‏إنما الأعمال بالنيات‏)‏‏)‏‏.‏بسنده، وتكلم عليه‏.‏

وعزل أكثر نواب الحكم واستمر بعضهم، واستمر بالمنادي الذي أشار بتوليته‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 14 /211‏)‏

ولما كان يوم خامس عشرين منه ولي قضاء الحنابلة الإمام العالم موفق الدين أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد الملك المقدسي عوضاً عن المعزول، ولم يبق من القضاة سوى الاخنائي المالكي‏.‏

وفي رمضان فتحت الصبابية التي أنشأها شمس الدين بن تقي الدين بن الصباب التاجر دار قرآن ودار حديث، وقد كانت خربة شنيعة قبل ذلك‏.‏

وفي رمضان باشر علاء الدين علي ابن القاضي محيي الدين بن فضل الله كتابة السر بمصر بعد وفاة أبيه كما سيأتي ترجمته، وخلع عليه وعلى أخيه بدر الدين، ورسم لهما أن يحضرا مجلس السلطان، وذهب أخوه شهاب الدين إلى الحج‏.‏

وفي هذا الشهر سقط بالجانب الغربي من مصر بَرَد كالبيض وكالرمان، فأتلف شيئاً كثيراً، ذكر ذلك البرزالي ونقله من كتاب ‏(‏الشهاب الدمياطي‏)‏‏.‏

وفي ثالث عشرين رمضان درّس بالقبة المنصورية بمشيخة الحديث شهاب الدين العسجدي عوضاً عن زين الدين الكناني توفي، فأورد حديثاً من مسند الشافعي بروايته عن الجاولي بسنده، ثم صرف عنها بالحجة بالشيخ أثير الدين أبي حيان، فساق حديثاً عن شيخه ابن الزبير ودعا للسلطان وحضر عنده القضاة والأعيان، وكان مجلساً حافلاً‏.‏

وفي ذي القعدة حضر تدريس الشامية البرانية قاضي القضاة شمس الدين بن النقيب عوضاً عن القاضي جمال الدين بن جملة توفي، وحضر خلق كثير من الفقهاء والأعيان، وكان مجلساً حافلاً‏.‏

وفي ثاني ذي الحجة درّس بالعادلية الصغيرة تاج الدين عبد الرحيم ابن قاضي القضاة جلال الدين القزويني عوضاً عن الشيخ شمس الدين بن النقيب بحكم ولايته الشامية البرانية، وحضر عنده القضاة والأعيان‏.‏

وفي هذا الشهر درّس القاضي صدر الدين بن القاضي جلال الدين بالأتابكية، وأخوه الخطيب بدر الدين بالغزالية والعادلية نيابة عن أبيه‏.‏

انتهى والله أعلم‏.‏

 من الأعيان‏:‏

 الأمير الكبير بدر الدين محمد بن فخر الدين عيسى بن التركماني

باني جامع المقياس بديار مصر في أيام وزارته بها، ثم عزل أميراً إلى الشام، ثم رجع إلى مصر إلى أن توفي بها في خامس ربيع الآخر، وتوفي بالحسينية، وكان مشكوراً رحمه الله، انتهى‏.‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 14/212‏)‏

 قاضي القضاة شهاب الدين

محمد بن المجد بن عبد الله بن الحسين بن علي الرازي الأربلي الأصل، ثم الدمشقي الشافعي، قاضي الشافعية بدمشق‏.‏

ولد سنة ثنتين وستين وستمائة، واشتغل وبرع وحصل وأفتى سنة ثلاث وتسعين، ودرّس بالإقبالية ثم الرواحية وتربة أم الصالح، وولي وكالة بيت المال، ثم صار قاضي قضاة الشام إلى أن توفي بمستهل جمادى الأولى بالمدرسة العادلية، ودفن بمقابر باب الصغير رحمه الله‏.‏

الشيخ الإمام العالم ابن المرحل

 زين الدين محمد بن عبد الله بن الشيخ زين الدين عمر بن مكي بن عبد الصمد بن المرحل مدرّس الشامية البرانية والعذراوية بدمشق، وكان قبل ذلك بمشهد الحسين، وكان فاضلاً بارعاً فقيهاً أصولياً مناظراً، حسن الشكل طيب الأخلاق ديناً صيناً، وناب في وقت بدمشق عن علم الدين الأخنائي فحمدت سيرته‏.‏

وكانت وفاته ليلة الأربعاء تاسع عشر رجب، ودفن من الغد عند مسجد الديان في تربة لهم هناك، وحضر جنازته القاضي جلال الدين، وكان قد قدم من الديار المصرية له يومان فقط، وقدم بعده القاضي برهان الدين عبد الحق بخمسة أيام، هو وأهله وأولاده أيضاً‏.‏

وباشر بعده تدريس الشامية البرانية قاضي القضاة جمال الدين بن جملة، ثم كانت وفاته بعده بشهور، وذلك يوم الخميس رابع عشر ذي القعدة‏.‏

وهذه ترجمته في تاريخ الشيخ علم الدين البرزالي‏:‏

 قاضي القضاة جمال الدين الصالحي

جمال الدين أبو المحاسن يوسف بن إبراهيم بن جملة بن مسلم بن همام بن حسين بن يوسف الصالحي الشافعي المحجي والده، بالمدرسة السرورية وصلّي عليه عقيب الظهر يوم الخميس رابع عشر ذي الحجة، ودفن بسفح قاسيون، ومولده في أوائل سنة ثنتين وثمانين وستمائة‏.‏

وسمع من ابن البخاري وغيره، وحدّث وكان رجلاً فاضلاً في فنون، اشتغل وحصّل وأفتى وأعاد ودرّس، وله فضائل جمة ومباحث وفوائد وهمة عالية وحرمة وافرة، وفيه تودد وإحسان وقضاء للحقوق، وولي القضاء بدمشق نيابة واستقلالاً، ودرّس بمدارس كبار، ومات وهو مدّرس الشامية البرانية، وحضر جنازته خلق كثير من الأعيان رحمه الله‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 14/213‏)‏

 شيخ الإسلام قاضي القضاة ابن البارزي

شرف الدين أبو القاسم هبة الله بن قاضي القضاة نجم الدين عبد الرحيم بن القاضي شمس الدين أبي الطاهر إبراهيم بن هبة الله بن مسلم بن هبة الله الجهيني الحموي، المعروف بابن البارزي قاضي القضاة بحماه، صاحب التصانيف الكثيرة المفيدة في الفنون العديدة‏.‏

ولد في خامس رمضان سنة خمس وأربعين وستمائة، وسمع الكثير وحصّل فنوناً كثيرة، وصنف كتباً جما كثيرة، وكان حسن الأخلاق كثير المحاضرة حسن الاعتقاد في الصالحين، وكان معظماً عند الناس، وأذن لجماعة من البلد في الإفتاء، وعمي في آخر عمره وهو يحكم مع ذلك مدة‏.‏

ثم نزل عن المنصب لحفيده نجم الدين عبد الرحيم بن إبراهيم، وهو في ذلك لا يقطع نظره عن المنصب، وكانت وفاته ليلة الأربعاء العشرين من ذي القعدة بعد أن صلى العشاء والوتر، فلم تفته فريضة ولا نافلة، وصلّي عليه من الغد ودفن بعقبة نقيرين، وله من العمر ثلاث وتسعون سنة‏.‏

الشيخ الإمام العالم

 شهاب الدين أحمد بن البرهان شيخ الحنفية بحلب، شارح ‏(‏الجامع الكبير‏)‏، وكان رجلاً صالحاً منقطعاً عن الناس، وانتفع الناس به، وكانت وفاته ليلة الجمعة الثامن والعشرين من رجب، وكانت له معرفة بالعربية والقراءات، ومشاركات في علوم أخر رحمه الله، والله أعلم‏.‏

 القاضي محيي الدين بن فضل الله كاتب السر

هو أبو المعالي يحيى بن فضل الله بن المحلي بن دعجان بن خلف العدوي العمري، ولد في حادي عشر شوال سنة خمس وأربعين وستمائة بالكرك، وسمع الحديث وأسمعه‏.‏

وكان صدراً كبيراً معظماً في الدولة في حياة أخيه شرف الدين وبعده، وكتب السر بالشام وبالديار المصرية، وكانت وفاته ليلة الأربعاء تاسع رمضان بديار مصر، ودفن من الغد بالقرافة وتولى المنصب بعده ولده علاء الدين، وهو أصغر أولاده الثلاثة المعينين لهذا المنصب‏.‏

 الشيخ الإمام العلامة ابن الكتاني

زين الدين بن الكتاني، شيخ الشافعية بديار مصر، وهو أبو حفص عمر بن أبي الحزم بن عبد الرحمن بن يونس الدمشقي الأصل، ولد بالقاهرة في حدود سنة ثلاث خمسين وستمائة‏.‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 14/214‏)‏

واشتغل بدمشق ثم رحل إلى مصر واستوطنها وتولى بها بعض الأقضية بالحكر، ثم ناب عن الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد فحمدت سيرته، ودرّس بمدارس كبار، ولي مشيخة دار الحديث بالقبة المنصورية، وكان بارعاً فاضلاً، عنده فوائد كثيرة جداً، غير أنه كان سيئ الأخلاق منقبضاً عن الناس، لم يتزوج قط‏.‏

وكان حسن الشكل بهي المنظر، يأكل الطيبات ويلبس اللين من الثياب، وله فوائد وفرائد وزوائد على ‏(‏الروضة‏)‏ وغيرها، وكان فيه استهتار لبعض العلماء فالله يسامحه، وكانت وفاته يوم الثلاثاء المنتصف من رمضان، ودفن بالقرافة رحمه الله انتهى‏.‏

 الشيخ الإمام العلامة ابن القويع

ركن الدين بن القريع أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن يوسف بن عبد الرحمن بن عبد الجليل الوسي الهاشمي الجعفري التونسي المالكي، المعروف بابن القويع، كان من أعيان الفضلاء وسادة الأذكياء، ممن جمع الفنون الكثيرة والعلوم الأخروية الدينية الشرعية الطيبة‏.‏

وكان مدرّساً بالمنكود مرية، وله وظيفة في المارستان المنصوري، وبها توفي في بكرة السابع عشر من ذي الحجة، وترك مالاً وأثاثاً ورثه بيت المال‏.‏

وهذا آخر ما أرخه شيخنا الحافظ علم الدين البرزالي في كتابه الذي ذيل به على تاريخ الشيخ شهاب الدين أبي شامة المقدسي، وقد ذيلت على تاريخه إلى زماننا هذا، وكان فراغي من الانتقاء من تاريخه في يوم الأربعاء العشرين من جمادى الآخرة من سنة إحدى وخمسين وسبعمائة، أحسن الله خاتمتها آمين‏.‏

وإلى هنا انتهى ما كتبته من لدن خلق آدم إلى زماننا هذا ولله الحمد والمنة‏.‏

وما أحسن ما قال الحريري‏:‏

وإن تجد عيباً فسد الخللا * فجلّ من لا عيب فيهِ وعلا

كتبه إسماعيل بن كثير بن صنو القرشي الشافعي عفا الله تعالى عنه آمين‏.‏

 ثم دخلت سنة تسع وثلاثين وسبعمائة

استهلت وسلطان الإسلام والمسلمين بالديار المصرية وما والاها والديار الشامية وما والاها والحرمين الشريفين الملك الناصر محمد بن الملك المنصور قلاوون، ولا نائب له ولا وزير أيضاً بمصر، وقضاة مصر‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 14/215‏)‏

أما الشافعي فقاضي القضاة عز الدين ابن قاضي القضاة صدر الدين محمد بن إبراهيم بن جماعة، وأما الحنفي فقاضي القضاة حسام الدين الغوري، حسن بن محمد، وأما المالكي فتقي الدين الأخنائي، وأما الحنبلي فموفق الدين بن نجا المقدسي، ونائب الشام الأمير سيف الدين تنكز وقضاته جلال الدين القزويني الشافعي المعزول عن الديار المصرية، والحنفي عماد الدين الطرسوسي، والمالكي شرف الدين الهمداني، والحنبلي علاء الدين بن المنجا التنوخي‏.‏

ومما حدث في هذه السنة إكمال دار الحديث السكرية وباشر مشيخة الحديث بها الشيخ الإمام الحافظ مؤرخ الإسلام محمد بن شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي، وقرر فيها ثلاثون محدثاً لكل منهم جراية وجامكية كل شهر سبعة دراهم ونصف رطل خبز‏.‏

وقرر للشيخ ثلاثون رطل خبز، وقرر فيها ثلاثون نفراً يقرأون القرآن لكل عشرة شيخ، ولكل واحد من القراء نظير ما للمحدثين، ورتب لها إمام وقارئ حديث ونواب، ولقارئ الحديث عشرون درهماً وثمان أواق خبز، وجاءت في غاية الحسن في شكالاتها وبنائها، وهي نجاه دار الذهب التي أنشأها الواقف الأمير تنكز‏.‏

ووقف عليها عدة أماكن‏:‏ منها سوق القشاشيين بباب الفرج، طوله عشرون ذراعاً شرقاً وغرباً، سماه في كتاب ‏(‏الوقف‏)‏، وبندر زيدين، وحمام بحمص وهو الحمام القديم، ووقف عليها حصصاً في قرايا أخر، ولكنه تغلب على ما عدا القشاشيين، وبندر زيدين، وحمام حمص‏.‏

وفيها‏:‏ قدم القاضي تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي الشافعي من الديار المصرية حاكماً على دمشق وأعمالها، وفرح الناس به، ودخل الناس يسلمون عليه لعلمه وديانته وأمانته، ونزل بالعادلية الكبيرة على عادة من تقدمه، ودرّس بالغزالية والأتابكية‏.‏

واستناب ابن عمه القاضي بهاء الدين أبو البقاء، ثم استناب ابن عمه أبا الفتح، وكانت ولايته الشام بعد وفاة قاضي القضاة جلال الدين محمد بن عبد الرحيم القزويني الشافعي، على ما سيأتي بيانه في الوفيات من هذه السنة‏.‏

 من الأعيان في المحرم سنة تسع وثلاثين وسبعمائة‏:‏

 العلامة قاضي القضاة فخر الدين

عثمان بن الزين علي بن عثمان الحلبي، ابن خطيب جبرين الشافعي، ولي قضاء حلب وكان إماماً صنف شرح ‏(‏مختصر ابن الحاجب‏)‏ في الفقه، وشرح ‏(‏البديع‏)‏ لابن الساعاتي، وله فوائد غزيرة ومصنفات جليلة، تولى حلب بعد عزل الشيخ ابن النقيب، ثم طلبه السلطان فمات هو وولده الكمال وله بضع وسبعون سنة‏.‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 14 /216‏)‏

وممن توفي فيها‏:‏

 قاضي القضاة جلال الدين محمد بن عبد الرحمن

القزويني الشافعي، قدم هو وأخوه أيام التتر من بلادهم إلى دمشق، وهما فاضلان، بعد التسعين وستمائة فدرس إمام الدين في تربة أم الصالح وأعاد جلال الدين بالبادرائية عند الشيخ برهان الدين بن الشيخ تاج الدين شيخ الشافعية‏.‏

ثم تقلبت بهم الأحوال إلى أن ولي إمام الدين قضاء الشافعية بدمشق، انتزع له من يد القاضي بدر الدين بن جماعة، ثم هرب سنة قازان إلى الديار المصرية مع الناس فمات هنالك، وأعيد ابن جماعة إلى القضاء، وخلت خطابة البلد سنة ثلاث وسبعمائة، فوليها جلال الدين المذكور‏.‏

ثم ولي القضاء بدمشق سنة خمس وعشرين مع الخطابة، ثم انتقل إلى الديار المصرية سنة سبع وعشرين بعد أن عجز قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة بسبب الضرر في عينيه فلما كان في سنة ثمان وثلاثين تعصب عليه السلطان الملك الناصر بسبب أمور يطول شرحها، ونفاه إلى الشام، واتفق موت قاضي القضاة شهاب الدين بن المجد عبد الله كما تقدم‏.‏

فولاه السلطان قضاء الشام عوداً على بدء، فاستناب ولده بدر الدين على نيابة القضاء الذي هو خطيب دمشق، كانت وفاته في أواخر هذه السنة، ودفن بالصوفية، وكانت له يد طولى في المعاني والبيان، ويفتي كثيراً، وله مصنفات في المعاني مصنف مشهور اختصر فيه ‏(‏المفتاح‏)‏ للسكاكي، وكان مجموع الفضائل، مات وكان عمره قريباً من السبعين أو جاوزها‏.‏

رابع ذي الحجة يوم الأحد‏:‏

 الشيخ الإمام الحافظ ابن البرزالي

علم الدين أبو محمد القاسم بن محمد بن البرزالي مؤرخ الشام الشافعي، ولد سنة وفاة الشيخ ابن أبي شامة سنة خمس وستين وستمائة‏.‏

وقد كتب تاريخاً ذيل به على الشيخ شهاب الدين، من حين وفاته ومولد البرزالي إلى أن توفي في هذه السنة، وهو محرم، فغسل وكفن ولم يستر رأسه، وحمله الناس على نعشه وهم يبكون حوله، وكان يوماً مشهوداً‏.‏

وسمع الكثير أزيد من ألف شيخ، وخرج له المحدث شمس الدين بن سعد مشيخة لم يكملها، وقرأ شيئاً كثيراً، وأسمع شيئاً كثيراً وكان له خط حسن، وخلق حسن، وهو مشكور عند القضاة ومشايخه أهل العلم، سمعت العلامة ابن تيمية يقول‏:‏ نقل البرزالي نقر في حجر‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 14/217‏)‏

وكان أصحابه من كل الطوائف يحبونه ويكرمونه، وكان له أولاد ماتوا قبله، وكتبت ابنته فاطمة البخاري في ثلاثة عشر مجلداً فقابله لها، كان يقرأ فيه على الحافظ المزي تحت القبة، حتى صارت نسختها أصلاً معتمداً يكتب منها الناس‏.‏

وكان شيخ حديث بالنورية وفيها وقف كتبه بدار الحديث السنية، وبدار الحديث القوصية وفي الجامع وغيره وعلى كراسي الحديث، وكان متواضعاً محبباً إلى الناس، متودداً إليهم، توفي عن أربع وسبعين سنة رحمه الله‏.‏

 المؤرخ شمس الدين

محمد بن إبراهيم الجوزي، جمع تاريخاً حافلاً، كتب فيه أشياء يستفيد منها الحافظ كالمزي، والذهبي، والبرزالي يكتبون عنه ويعتمدون على نقله، وكان شيخاً قد جاوز الثمانين، وثقل سمعه وضعف خطه، وهو والد الشيخ ناصر الدين محمد وأخوه مجد الدين‏.‏

 ثم دخلت سنة أربعين وسبعمائة

استهلت هذه السنة وسلطان المسلمين الملك الناصر، وولاته وقضاته المذكورون في التي قبلها إلا الشافعي بالشام فتوفي القزويني وتولى العلامة السبكي‏.‏

ومما وقع الحوادث العظيمة الهائلة أن جماعة من رؤوس النصارى اجتمعوا في كنيستهم وجمعوا من بينهم مالاً جزيلاً فدفعوه إلى راهبين قدما عليها من بلاد الروم، يحسنان صنعة النفط، اسم أحدهما ملاني والآخر عازر فعملا كحطاً من نفط، وتلطفا حتى عملاه لا يظهر تأثيره لا بعد أربع ساعات وأكثر من ذلك، فوضعا في شقوق دكاكين التجار في سوق الرجال عند الدهشة في عدة دكاكين من آخر النهار، بحيث لا يشعر أحد بهما، وهما في زي المسلمين‏.‏

فلما كان في أثناء الليل لم يشعر الناس إلا والنار قد عملت في تلك الدكاكين حتى تعلقت في درابزينات المأذنة الشرقية المتجهة للسوق المذكور، وأحرقت درابزينات، وجاء نائب السلطنة تنكز والأمراء أمراء الألوف، وصعدوا المنارة وهي تشعل ناراً، واحترسوا عن الجامع فلم ينله شيء من الحريق ولله الحمد والمنة‏.‏

وأما المئذنة فإنها تفجرت أحجارها واحترقت السقالات التي تدل السلالم فهدمت وأعيد بناؤها بحجارة جدد، وهي المنارة الشرقية التي جاء في الحديث أنه ينزل عليها عيسى ابن مريم كما سيأتي الكلام عليه في نزول عيسى عليه السلام والبلد محاصر بالدجال‏.‏

والمقصود أن النصارى بعد ليال عمدوا إلى ناحية الجامع من المغرب إلى القيسارية بكمالها، وبما فيها من الأقواس والعدد، فإنا لله وإنا إليه راجعون‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 14/218‏)‏

وتطاير شرر النار إلى ما حول القيسارية من الدور والمساكن والمدارس، واحترق جانب من المدرسة الأمينية إلى جانب المدرسة المذكورة وما كان مقصودهم إلا وصول النار إلى معبد المسلمين، فحال الله بينهم وبين ما يرومون، وجاء نائب السلطنة والأمراء وحالوا بين الحريق والمسجد، جزاهم الله خيراً‏.‏

ولما تحقق نائب السلطنة أن هذا من فعلهم أمر بمسك رؤوس النصارى فأمسك منهم نحواً من ستين رجلاً، فأخذوا بالمصادرات والضرب والعقوبات وأنواع المثلات، ثم بعد ذلك صلب منهم أزيد من عشرة على الجمال، وطاف بهم في أرجاء البلاد وجعلوا يتماوتون واحداً بعد واحد، ثم أحرقوا بالنار حتى صاروا رماداً لعنهم الله، انتهى والله أعلم‏.‏

سبب مسك تنكز

لما كان يوم الثلاثاء الرابع والعشرين من ذي الحجة جاء الأمير طشتمر من صفد مسرعاً وركب جيش دمشق ملبساً، ودخل نائب السلطنة من قصره مسرعاً إلى دار السعادة، وجاء الجيش فوقفوا على باب النصر، وكان أراد أن يلبس ويقابل فعذلوه في ذلك‏.‏

وقالوا‏:‏ المصلحة الخروج إلى السلطان سامعاً مطيعاً، فخرج بلا سلاح، فلما برز إلى ظاهر البلد التف عليه الفخري وغيره، وأخذوه وذهبوا به إلى ناحية الكسوة، فلما كان عند قبة يلبغا نزلوا وقيدوه وخصاياه من قصره، ثم ركب البريد وهو مقيد وساروا به إلى السلطان‏.‏

فلما وصل أمر بمسيره إلى الإسكندرية، وسألوا عن ودائعه فأقر ببعض، ثم عوقب حتى أقر بالباقي، ثم قتلوه ودفنوه بالإسكندرية، ثم نقلوه إلى تربته بدمشق رحمه الله، وقد جاوز الستين، وكان عادلاً مهيباً عفيف الفرج واليد، والناس في أيامه في غاية الرخص والأمن والصيانة فرحمه الله، وبل بالرحمة ثراه‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 14/219‏)‏

وله أوقاف كثيرة من ذلك مرستان بصفد، وجامع بنابلس وعجلون، وجامع بدمشق، ودار حديث بالقدس ودمشق، ومدرسة وخانقاه بالقدس، ورباط وسوق موقوف على المسجد الأقصى، وفتح شباكاً في المسجد‏.‏

انتهى والله تعالى أعلم‏.‏

 من الأعيان‏:‏

 أمير المؤمنين المستكفي بالله

أبو الربيع سليمان بن الحاكم بأمر الله بن العباس أحمد بن أبي علي الحسن بن أبي بكر بن علي بن أمير المؤمنين المسترشد بالله الهاشمي العباسي، البغدادي الأصل والمولد، مولده سنة ثلاث وثمانين وستمائة أو في التي قبلها‏.‏

وقرأ واشتغل قليلاً، وعهد إليه أبوه بالأمر وخطب له عند وفاة والده سنة إحدى وسبعمائة، وفوض جميع ما يتعلق به من الحل والعقد إلى السلطان الملك الناصر، وسار إلى غزو التتر فشهد مصاف شقحب‏.‏

ودخل دمشق في شعبان سنة اثنتين وسبعمائة وهو راكب مع السلطان، وجميع كبراء الجيش مشاة، ولما أعرض السلطان عن الأمر وانعزل بالكرك التمس الأمراء من المستكفي أن يسلطن من ينهض بالملك، فقلد الملك المظفر ركن الدين بيبرس الجاشنكير وعقد له اللواء وألبسه خلعة السلطنة‏.‏

ثم عاد الناصر إلى مصر وعذر الخليفة في فعله، ثم غضب عليه وسيره إلى قوص فتوفي في هذه السنة في قوص في مستهل شعبان‏.‏